|
السبب
العميق والعلاج
لقد شرّفتني مجلَّة "الحياة العقلية" بسؤالها لي، أثناء تحرّياتها، عن
أسباب اللاإيمان الحاليّة. وانني أجيب على ذلك بسهولة لانها لا تحوجني إلاّ الى
استعادة ذكرياتي كيما أحاول أن أجد حلَّ القضيّة المطروحة، وذلك لأنّني
أمضيتُ عشرين عاماً على اتصال ودّي بمجتمعات غير مؤمنة. ولن آتي هنا على ذكر
أيّ اسم أو أيّ كتاب، لكنّني أعتقد أنَّ موضوعيَّة شهادتي يُعتمد
عليها.
هذه الشهادة ستكون موجزة.
إنّ السبب الأوّل لللاإيمان المعاصر، حسب رأيي، يجب أن يُفتَّشَ عنه في
الانشقاق اللاشرعي الذي أخذ، تدريجيًّا، يفصل المسيحيّة، منذ عصر النهضة، عمَّا
يمكن أن ندعوه بالتيّار الديني الطبيعي الانساني
(Le
courant religieux naturel humain). ليس العالـم الحالي، على ما أعتقد، ملحداً أساسيًا أو لا
دينيًّا. ولكن قدرته التعبّديّة الطبيعيّة تجنح حالياً نحو "شيء"، هو الكون، الذي
يبدو، في نظره، على نقيض مع الاله المسيحي. وهنا يكمن الداء والدواء ايضاً.
1ـ
الداء.
إنَّ تحوّلاً كبيراً (ويمكن القول إنّها ثورة) قد حصل، بطريقة غامضة، منذ
عصر النهضة، وبصورة واضحة، منذ مائة وخمسين عاماً على وجه التقريب، في أعمق طبقات
العقل الانساني. لقد أدركنا، بجميع وسائل التجربة والفكرة، عَظَمَةَ إتّحاديَّة
الكون ومعنويَّة الزمن العضويّة. ففي خلال قرن ونصف قد عمَّت، حتى أبعاد الكون،
قوانين ولادة وتطوّر بعض الكائنات التي كنَّا نعرفها، وفي مجالات محدودة. فاذ
أمامنا، منذئذٍ، ماضٍ ومستقبل، أعني نموّ العالـم. فالعالـم يَتَكَشَّفُ، حولنا
وفينا، ليس وحسب كتكتّل كبير جامدٍ للاشياء المعطاة دون تغيير، بل ككلّ نوعيّ
مزوَّد بقدرةِ نموٍّ منظَّمة.
إنَّ لهذا التحوّل في الرئاية، إن على الصعيد العلمي أو الفلسفي، نتائج ذات
أهميَّة واضحة. فهل لاحظنا أنَّه كان ينبغي له أن يدويّ فعلياً، حتى في أعماق النفس
الدينيّة؟ إنَّ العالـم، وهو يتّخذ صورة الوحدة الطبيعيّة من خلال الديمومة، لا
يكتسب وحسب بُعْداً آخر في نظر البحث العقلي، بل إنّه، أمام الكائن الانساني، كشيء
قيّم وسامٍ يجب علينا أن نخضع له ونتكرَّس به. فهو يجعل أوتارنا الداخليّة،
المتجاوبة مع المفاتن الأكيدة اللامتناهية القرب والملموسة، ترنُّ بالعبادة، كما هي
حالتها الدائمة.
لنكلّف أنفسنا ملاحظةَ الوقائع دون أن تُشغلنا المظاهر المتعددة الاشكال،
والتعابير الصبيانيّة، عن الايمان الجديد. إن الانسانيّة، خلال بضعة أجيال، قد
تحوّلت، عفويًّا، الى نوعٍ من الدين العالمي، غامضٍ في معتقداته، ولكنّه واضحٌ
جدًّا في اتجاهاته الأخلاقية، وهي: تفوّق مُعترف به للكلّ على الفرد، وايمانٌ
متَّقدٌ بقيمةِ الجهد الانساني وامكانياته، وإدراكٌ واضحٌ لميزة البحث المقدسة، في
جميع الحدود. وعلى ذلك، فان الانسان المعاصر لا يستطيع، نظراً للاكتشافات العلمية
القائلة بوحدة الطبيعة وعظم العالـم، أن يتعرّف الى اللـه إلاَّ بواسطة امتداد
(وباستطاعتنا القول: تحت الأشكال) تقدمٍ ما، أو نضوجٍ كوني.
واذا كان الأمر على ما ذكرنا، فكيف يتمثَّل لهم الالـه
المسيحي؟
إنَّ المسيحيَّة، بالنسبة الى الذين لا يعرفونها جيّداً، توحي لهم، بكل
تأكيد، أنَّها نَجَتْ من الثورة النفسانية التي سبق وحلّلناها، والتي تعارضها.
فالمسيحية لا تعزم على قبول رئايات (Perspectives) التطوّر الكوني (المقبولة كونيًا خارجًا عنها)، في عموميّاتها
وروحها. بل تظهر وكأنّها تفرح بإضعاف الآمال الانسانية، وبابرازِ مواطن ضعف
مجتمعنا، وباحتقارِ التطوّر والخوفِ من الاكتشاف. وهكذا، فان المسيحية لا تكرّس
تَوْقَ انسانِ اليوم ولا طموحاته السامية والمحسوسة الى أقصى حد. هذه هي المظاهر
الخادعة، كما نعلم ذلك من الداخل، ولكنَّها مظاهر جدّ مُخيّبة للذين يراقبوننا من
الخارج.
إنَّ الملحدين ينظرون إلينا أثناء تفتيشهم عن اسم يطلقونه على اللـه المجهول
الذي يشعرون به في اعماقهم. ثمّ يصرفون وجوههم عن إنجيل يبدو وكأنّه لا يُجيب على
رؤياهم للعالـم، ولا على أسئلتهم، ولا على ما ينتظرون. والمقاومة الحالية التي
تواجهها الكنيسة في مؤسّستها لا تعود، كما يقولون أحيانًا، الى أنَّ تعاليمها سامية
جدًّا واخلاقيتها عسيرة أيضاً، بل تعود الى أنَّ البَشَرَ لا يَرَوْنَ فينا
مَثَلَهُم الأعلى الديني، فلذلك يبتعدون عنها بانتظار شيء
أكمل.
2ـ
العلاج
إذا كان التحليل السابق صحيحًا، أعني إذا كان سبب اللاإيمان المعاصر يعود
الى احتجاب "إله الوحي" بظهور "اللـه ـ العالـم"، فان الوسيلة المباشرة لمعالجة
الداء الذي نشكو منه تتَّضح على الفور. علينا أن نُثبت، ونحن أبعد ما يكون عن كسف
الالـه المسيحي، أنَّ الكون، كما يتكشَّف لنا عبر تحرّياتنا الحاضرة، لا ينتظر
إلاَّ أن يتجلّى ويتكلَّل منه. أَنَوَدُّ حقًا أن يعود الناس الى اللـه مدفوعين
بالتيّار نفسه الذي يبدو وكأنّه يُقصيهم عنه؟ فلنفتح، بسعةٍ، عقلنا وقلبنا للمشاهد
وللمتطلّبات الجديدة كيما نتملّكها أولاً، ومن ثَمَّ لُمَسْحنتها
(Christianiser).
لكي نتملّكها، بادىء ذي بدء، فلنفحص ضمائرنا. أَلَمْ نبقَ، نحن المسيحيّين،
غُرباءَ حقًا عن روح الانسانيّة التي يتوجَّب علينا أن نخلّصها؟ وعلى الرغم من
تحذيرات الكنيسة، أَلَمْ يَتَسَرَّب نوعٌ من تعليم "بايوس" المتشائم العلمي الى
الطريقة التي اتّبعناها في تقديرنا لتأثير الخطيئة الاصلية على العالـم؟ ـ ألـم
نضخّم (نعظّم) في ديانتنا شأن مفهوم الخطيئة والخلاص الفردي"؟ ـ ألـم نعمل غالباً
على إشعاع ظل الصليب، بدلاً من نشر النور نفسه؟...
طبعًا، ليس كل ما في نفحة التفاؤل الجذّاب الذي يرفع الكتلة البشرية رديئًا.
وعلامَ نحمي أنفسنا منه؟ أليس الانجيل هو الخميرة التي ينبغي لنا أَنْ نضعها في قلب
العالـم؟
الاكتمال هو المَسْحَنَةُ (Christianiser) بعينها. ولكي يتحقّق هذا التغيير لا يكفيه النقد العقلي أو السلبي
لإزالة الماديّة أو الحلوليّة الزائفة. إنَّ رسالتنا تفرض علينا أن نلبس روح
العالـم الحاضر الدينيّة في كمالها الطبيعي، وأن نلبسها بجدٍّ واتّساعٍ على المستوى
المسيحي. إن تطلّعات الانسانيين الدينيّة الحديثة غامضة وناقصة، وعلينا أن نُثبت،
بالكلام والعمل، أنَّ حقيقة المسيح الوضعيّة هي وحدها التي يُمكنها أن تُثبّت
أقدامهم، وتركّزهم، وتنقذهم. وعندما يثبت المسيحيون أنهم أوَّل من سيروحن القيم
الأرضيَّة وهم يمضون قدمًا باتجاه المستقبل، ـ وذلك بفضل مسيحيّتهم، ونشاط محبّتهم
البنّاء، وغنى زهدهم الفعّال، وجُرأَتهم الواثقة بالنسبة الى وجهات نظرهم الفائقة
الطبيعة، ـ إِذَّاك ستجد الفئة الخطرة من اللامؤمنين نفسها عزلاء من كلّ سلاح، وحتى
في أَعماق أعماقها.
إن العالـم يتحوّل، بعفوية، الى نوعٍ من الديانة الطبيعيّة
الكونيّة التي تبعده، بدون وعي، عن إله الانجيل: وهذا هو موطنُ لاإيمانه. فلنعمل
إذن، في خطوة ثانية، على هدى هذا التحوّل مثبتين، طوال حياتنا، أنَّ المسيح وحده،
الذي فيه قوام كل شيء، هو قادرٌ على إحياء مسيرة الكون وتوجيهها، ولربّما سينبثق
إيمانُ الغدِ من امتداد ما يكون لاإيمان اليوم.
|